عبد الملك الجويني

35

الشامل في أصول الدين

إلى محل ، ولكنه ليس في أوصاف الجواهر ، إذ من وصف الجوهر أن يتحيز ويشغل الحيز ، ويقبل الأعراض ، والحادث الذي قلناه ، لا يشغل ولا يقبل عرضا ؟ [ قلنا ] « 1 » : هذا محال ، إذ لو كان غير شاغل لحيز ، لجاز تقدير وجوده ، بحيث ذات متحيزة ، إذ ما لا يشغل بوجوده لا يمنع الشاغل بوجوده وجوده حيث هو . ولو وجد ما وصفتموه بحيث جوهر ، لكان قائما بالجوهر إذ لا معنى لقيام العرض بالجوهر إلا وجوده بحيث الجوهر . قال : الكلام إلى ما أثبته السائل حادث يجوز قيامه بالجوهر ، وكل ما هذا سبيله فهو عرض . ويبقى عليه سؤال الانفصال عن سؤال في أحكام الأعراض ، وهو أن قائلا لو قال : العرض الذي يقوم بالجوهر ألا يجوز تقديره غير قائم به ؟ والذي يوضح ما قلناه أن الحادث الذي أثبته هذا السائل لا يخلو إما أن يكون مما يبقى ، أو مما يستحيل بقاؤه . ( فإن كان مما يستحيل بقاؤه ) فقد ثبت له خصائص الأعراض ، إذ من وصف العرض أن لا يبقى ويجوز تقديره قائما بالجوهر . وقد ثبت الوصفان جميعا فيما حاوله السائل ، وإن كان مما يبقى فلا يبقى إلا ببقاء يقوم به ، وهذا من خصائص الجواهر ، فإنها هي القابلة للأعراض وسنشبع القول في ذلك عند ذكرنا التحيز وأحكام الأعراض ، فإذا استبان انقسام الحوادث إلى الجواهر والأعراض ، فالذي يقتضيه الترتيب ، تصدير الكلام بأحكام الجواهر . فصل [ أصل وذات الجوهر « 2 » ] فإن قال قائل : ما حقيقة الجوهر ؟ قلنا : اختلفت عبارات الأصوليين في ذلك فقال بعضهم : ما يقبل العرض . واعترض بعض الزائغين على هذا الحد فقال : حد الشيء خاصيته ، ومن حكم خاصية الشيء أن لا تتعداه ، وقبول الجوهر للعرض مرتبط بغير الجوهر ، وهو ينافي حقيقة الخاصية . قلنا : لا معول على العبارات وإنما المطلب منها المعاني ، وقبول الجوهر للعرض صفة تخصه ، إذ الجوهر إنما يقبل العرض لصفة هو في نفسه عليها ، وهي صفة نفسية . وعرف اتحاد ذكرها والتعرض لها . ولا يقدح تركيب العبارات وتعددها في الحدود ، وإنما القادح تركب المعنى .

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) الجوهر : لغة جوهر الشيء : حقيقته وأصله وذاته ، والجوهر الفرد الجزء الذي لا يتجزأ من المادة ، والجوهر في الفلسفة ما قام بنفسه ويقابله العرض وهو ما يقوم بغيره .